المعركة اليوم صارت واضحة لا غموض فيها: محاولة شيطنة مصر، وإلقاء كل التهم الفاجرة عليها، في محاولة يائسة لإنقاذ رقبة وسمعة “حماس” ومَن ورائها، (وكذلك السماح لإسرائيل) بالإفلات مِن مسؤولية الجريمة الكبرى التي تتشكل أمام أعيننا: تصفية القضية الفلسطينية.
الحملة الممنهجة تعتمد على تشويش الرأي العام، عربيًا ودوليًا، بل وحتى داخل مصر ذاتها. والهدف: إخفاء الحقيقة المُرّة وراء الضجيج. فـ “طوفان الأقصى” الذي رُوّج له على أنه نصر مبين، انتهى إلى أكبر كارثة في تاريخ القضية الفلسطينية: أكثر من ستين ألف شهيد، تدمير كامل لقطاع غزة، وتشريد وتجويع شعب بأكمله، دون أي مكسب سياسي أو تحرري يُذكر.
ولأن الفاشلون والمتآمرون، يرفضون الاعتراف بخطاياهم، كان لا بد من البحث عن “شماعة وكبش فداء”، حيث جرى استدعاء مصر لتُحاصَر بالاتهامات، وتُشوَه صورتها، وتُدفع إلى مربع الدفاع عن النفس بدلاً من قيادة المعركة الحقيقية ضد مشروع التهجير.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد لعبة دعاية أو تضليل إعلامي، بل تحالف تلاقت فيه مصالح متناقضة ظاهريًا – الصهيونية العالمية من جهة، وجماعات الإسلام السياسي وفي طليعتها الإخوان من جهة أخرى – لكنه في واقع الأمر تحالف يجمعهم على هدف واحد: إنهاك مصر، تعطيل مسيرتها التنموية، وكسر موقفها الثابت الرافض للتهجير، حتى تُفتح أبواب سيناء لنكبة جديدة أخطر من سابقتها.
لقد رُفض المشروع علنًا من القاهرة، رغم الإغراءات التي عُرضت: دعم استراتيجي، أموال واستثمارات بمليارات الدولارات، تسويات للتحديات الحدودية والمياه.. كل ذلك كان ثمناً أولياً لصمت مصر وسكوتها على التهجير. لكن الرفض كان صريحًا وواضحًا: لا تهجير على الأرض المصرية، ولا بيع لمصير فلسطين.
اليوم إذن، نحن أمام مفترق طرق حقيقي:
إما الانصياع لمعادلة “المكاسب مقابل الصمت”، فتحصد مصر على حلول مالية تاريخية ودعم وضمانات دولية، مقابل غض النظر عن موضوع التهجير، في مقابل الصمت.. مجرد الصمت.
وإما التمسك بالموقف المبدئي والأخلاقي والوطني والاستعداد لتحمل النتائج وقبول التحديات المتوقع حدوثها وفق سيناريوهات أحلاها مر.
إن من يعرف مصر، ومن يعرف تاريخها وثوابت مواقفها، يدرك أن هذا البلد العريق لا يساوم على جوهر قضيته ولا يبيع بوصلته الأخلاقية. إنها مواجهة بين مصر العظيمة وبين مشروع شيطاني يتجاوز الحدود والخرائط، مشروع يريد سحق ما تبقى من فلسطين، وإغراق المنطقة في دوامة تهجير وفوضى.
إن مصر بمواقفها لا تدافع عن حدودها فقط، بل تؤكد أنها الحائط الأخير للدفاع عن بقاء القضية الفلسطينية.
نبض مصر بقلم أشرف جابر، رئيس التحرير
agaber@live.com