بقلم أشرف جابر*
في الأيام الأخيرة، شهدت منصات التواصل الاجتماعي المصرية جدلاً واسعاً حول ظهور عدد من زوار المتحف المصري الكبير وهم يرتدون ملابس ريفية محلية، بعضها من صعيد مصر أو الدلتا. ورغم أن هذه الملابس كانت أنيقة، نظيفة، وتحمل طابعاً تراثياً جميلاً، إلا أن بعض الأصوات، (ومعظمها صدرت عمن يمكن تصنيفهم بالمثقفين)، اعتبرتها غير لائقة بمكان “عالمي” مثل المتحف.
لكن هل هذا الرأي يعكس فعلاً روح المتاحف الكبرى حول العالم؟ وهل هناك ما يمنع الزوار من التعبير عن هويتهم الثقافية في فضاء يفترض أنه يحتفي بالتاريخ والتنوع؟
المتاحف الكبرى ترحب بالتنوع
في متاحف مثل اللوفر في باريس، المتحف البريطاني في لندن، المتحف الوطني في واشنطن، والمتحف الوطني للفنون الآسيوية في طوكيو، لا توجد تعليمات صارمة تمنع الزوار من ارتداء ملابسهم التقليدية. بل على العكس، كثيراً ما يُشاهد الزوار وهم يرتدون الزي الهندي، أو الكيمونو الياباني، أو الجلابية المغربية، وغيرها من الملابس المحلية ف تلك البلاد، دون أن يُنظر إليهم باعتبارهم “خارج السياق”.
هذه المتاحف تضع ملامح عامة للزي، مثل أن يكون نظيفاً، محتشماً، لا يحمل شعارات سياسية أو مسيئة، ولا يعيق حركة الزوار أو يسبب إزعاجاً بصرياً أو سلوكياً. وهي ضوابط تحترم الذوق العام دون أن تفرض نمطاً موحداً أو نخبوياً على الجميع.
الأزياء اليدوية والتراثية
الملابس الريفية، اليدوية، والصعيدية ليست مجرد أقمشة، بل هي ذاكرة وهوية، وهي تعكس تاريخاً من الحرف اليدوية، والذوق الشعبي، والتقاليد التي تستحق الاحترام لا التهكم. ومن المؤسف أن يُنظر إليها باعتبارها “دخيلة” على فضاء يفترض أنه يحتفي بالتراث!
احترام الاختلاف
من هنا، فإن الدعوة إلى رفض الملابس الريفية أو الشعبية في المتحف المصري الكبير، لا تبدو منسجمة مع روح المتاحف العالمية، ولا مع قيم التنوع التي يفترض أن يحتفي بها المتحف “الكبير” نفسه. فالمتحف ليس نادياً خاصاً، بل فضاء عاماً يرحب بالجميع، ويجب أن يعكس تنوع المجتمع المصري بكل أطيافه.
من حق الزوار، مصريين وأجانب، أن يرتدوا ما يشاؤون، طالما أن ملابسهم تحترم الذوق العام، لا تحمل إساءة، ولا تخرق قواعد السلوك أو الأمن، وهذا بالتأكيد يشمل الجلابية، والملابس اليدوية، والزي الشعبي، الذي يمثل جزءاً من الهوية الثقافية المصرية.
دعوة لوزارة السياحة
في ظل هذا الجدل، من المناسب أن تقوم وزارة السياحة والآثار بوضع ضوابط واضحة ومعلنة لما يسمى بـالـ dress code لدخول المتاحف، بحيث تكون هذه الضوابط عادلة، غير إقصائية، وتحترم التنوع الثقافي والاجتماعي. فغياب هذه الضوابط يفتح الباب للتأويلات الشخصية، وربما للتمييز المقصود أو غير المقصود.
وفي الختام
المتحف المصري الكبير ليس فقط بوابة للحضارة الفرعونية، بل يجب أن يكون مرآة للمجتمع المصري المعاصر بكل تنوعه. ومن هنا، فإن احترام الأزياء المحلية هو احترام للناس، وللذات وللثقافة، وللفكرة الأساسية من وجود المتحف: أن يكون بيتاً للجميع، لا حكراً على فئة دون أخرى.